محمد أبو زهرة
3928
زهرة التفاسير
في الآخر ليس للراحة ولكن للعذاب الدائم . . . أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 39 ) [ البقرة ] . وقد أخذ يبين - سبحانه - الفرق بين جزاء الذين استجابوا لربهم والذين لم يستجيبوا ، فبين سبحانه أنه العدل الذي لا يدخله شئ من الضير ، وغيره هو الظلم ، فقال تعالى : أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 19 ) . هذا النص الكريم لتأكيد الفارق بين جزاء المتقين وجزاء الذين لا يستجيبون للحق ولا يذعنون ، والاستفهام هنا إنكاري ، لإنكار الوقوع ، أي أنه لنفى التشابه بين من يعلم الحق ، ويذعن له ، ويؤمن به ، ومن يعرض عن الحق ويترك الآيات الدالة على الحق المبين وكأنه الأعمى الذي لا يبصر ، إذ عدم البصيرة كعدم البصر على السواء . والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، أي أنه يترتب على اختلاف الجزاءين تقرير أن التشابه بينهما غير ممكن ، وأخّر الفاء عن تقديم ؛ لأن الاستفهام له الصدارة كما ذكرنا من قبل . لا يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون ، أفيستوى الذين يعلمون أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى . والمراد بالذي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ القرآن ، وذكر بهذا الموصول ليكون متضمنا الحكم ، وهو أنه الحق لأنه أنزل إليك من اللّه الذي خلقك ورباك وأيدك ، فلا بد أن يكون الحق ، وتعريف الطرفين يدل على القصر ، أي أنه لا يمكن أن يكون إلا حقا ، ولا يمكن أن يكون فيه باطل قط لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ . . . ( 42 ) [ فصلت ] ، وقوله تعالى : كَمَنْ هُوَ أَعْمى المراد من لا يصدق أنه الحق ، كأنه كالأعمى ، إذ إنه أعرض عن الآيات الشاهدة بالصدق ، وأنه المعجزة الكبرى ، والآيات الدالة على أن اللّه واحد